06-04-2008, 04:55 AM
|
رقم المشاركة : 4 (permalink)
|
إحصائية
العضو | | |
| رد: الــحــياة أمــل - رواية رومانسية روعة | الجزء الــثانــي :
-2-
وداعــا صديقتــي..
**********
استيقظت أمل على صوت طرق خفيف على باب غرفتها، فتحت عينيها ببطء، ثم قالت بوهن:
الباب غير مغلق، أدخلي يا أمي..
فُتح الباب، لكنها وجدت سلمى تنقض عليها و ترمي الغطاء الذي كانت تختفي تحته بعيدا، ثم توجهت
للنافذة وفتحتها بقوة، مما جعل أمل تغلق عينيها بألم، من وقع نور الشمس الذي تسلل للغرفة.
وقبل أن تستجمع قوتها لتصرخ في وجه سلمى، بادرتها هذه الأخيرة قائلة:
متى بالله عليك ستغيرين عادتك هذه ؟ألم تعديني أن تستيقظي اليوم باكرا، وتأتي لمنزلي لتساعديني في تجهيز نفسي ! أحمد سيصل على الغداء، ليس عندنا وقت.
استدارت أمل للجانب الآخر من السرير و هي مصرة على إكمال نومها : تقصدين ليس عندك أنتِ
الوقت، لذا اذهبي و دعيني أنام، ولنتحدث عن إهمالي لمواعيدي في وقت آخر.
لكن سلمى أمسكت بذراعها لتحملها على النهوض وهي تصرخ: ليس شأني أنك تريدين النوم، كل ما
أعرفه أنه كان عليك أن تأتي عندي باكرا.لذا انهضي الآن حالا..
نهضت أمل وهي تحاول رفع صوتها أيضا و الصراخ في وجه سلمى:
كنت سآتي عندك باكرا، لو لم تظلي عندي أمس لبعد منتصف الليل، وليس على لسانك غير أحمد، و
حكايات أحمد، وشوقك لأحمد، لا أدري ما هذا الحظ الذي جعل والدي يشتري منزلا ملاصقا لمنزل
مزعجة مثلك.
ضحكت سلمى ورمت بمنشفة في وجه أمل وهي تقول: لا يناسبك الصراخ أبدا، أمل الهادئة دائما لا تصرخ، هيا قومي و اغتسلي، سأنتظرك تحت بالمطبخ، قد شممت رائحة كعك والدتك الشهي..
قامت أمل مسرعة بطريقة مضحكة متجهة للحمام وهي تقول: ماذا ؟حضرت أمي الكعك؟؟
خرجت سلمى من الغرفة دون أن ترد عليها، وقبل أن تغلق الباب أطلت برأسها وابتسمت بخبث ثم قالت: لا، حضرت لي الكعك، لأنني يا عزيزتي لن أترك لكي شيئا، عقابا على إهمالك المستمر لي. وانطلقت مسرعة تنزل الدرج وصوت ضحكاتها يتعالى.
صرخت أمل من الحمام آملة أن تسمعها سلمى:
سلمى، إلا الكعك.. لن أسامحك إذا التهمته كله أيتها الشرهة، أتسمعين لن أسامحك.
ثم ابتسمت رغما عنها وهي تقول: سأفتقدك كثيرا يا سلمى.
**********
نظرت الموظفة بالمطار للشاب الفارع الطول الذي يقف أمامها، ثم عادت تدقق النظر في صورته على جواز السفر، وقالت بهدوء: أنت تسافر كثيرا..
أجابها الشاب بنفس الهدوء : أجل.
التفتت الموظفة الشقراء لشاشة الحاسوب أمامها ثم سألته : أحمد سيف الدين؟
رد أحمد بطريقة آلية :أجل..
رسمت الموظفة ابتسامة عريضة على شفتيها وهي تقول: وما سبب السفر هذه المرة؟
عقد أحمد حجابيه وهو يحس بالملل من أسئلتها الكثيرة: ماذا هناك لم كل هذه الأسئلة؟ أم أنها قاعدة الشك بأصحاب الملامح و الأسماء العربية؟
ضحكت الموظفة ثم قالت وهي تعيد لأحمد أوراقه: لا أبدا، قد فهمتني خطأ، أتمنى لك رحلة سعيدة..
بعد دقائق كان أحمد قد استقر بمقعده بالطائرة، أغلق عينيه مقررا أن يخلد للنوم لعل الوقت يمر بسرعة. بعد ثلاث ساعات على الأكثر سيكون مع سلمى،قد اشتاق إليها كثيرا، بمجرد أن وصلت أفكاره إليها لم يستطع غير فتح محفظته الصغيرة ،ليملأ عينيه من تقاطيع وجهها المبتسم دائما، كما في الصورة تماما، قريبا ستصبح هذه الفتاة المرحة زوجة له، كم ينتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر !
************
تحولت غرفة نوم سلمى إلى معرض للملابس ، فقد قامت بإخراج كل ما في خزانتها وبعثرته فوق السرير وعلى المكتب، حتى أرضية الغرفة امتلأت بقطع الملابس و الأحذية..
لنتحرى الصدق ، سلمى كانت قد قررت ما سترتدي اليوم منذ أسبوع، وقد كان اختيارها قد وقع على فستان أبيض مطرز بورود حمراء، لكنها لم تجد مانعا من عرض كل ما لديها على أمل، لتقرر معها إذا كان هناك ما ينقصها للآن، بالإضافة إلى أنها وجدتها وسيلة جيدة لتخفف من حدة التوتر الذي تشعر به كلما اقترب موعد وصول أحمد.
كانت الفتاتين غارقتين بتنسيق الملابس و اختيار القطع التي تتناسب مع بعضها البعض، و اختيار ما يتماشى مع كل فستان من الحلي و الأحذية، مهمة تحتاج لتركيز شديد طبعا!
لذا لم تنتبها لسامي الذي وجد باب الغرفة مفتوحا، فظل يراقبهما وعينيه تتابعان حركات إحداهما بالذات، لكن حين تيقن أنهما لن تنتبها له ولو ظل واقفا بمكانه لساعات، تنحنح في مكانه ثم قال بصوت عال متعمدا :
- هل تريدان أية مساعدة يا فتيات؟
شهقت سلمى بقوة ووضعت يدها على قلبها وهي تقول :أخفتني.. ستتسبب يوما بموتي، منذ متى و أنت هنا؟
رد سامي كاذبا : وصلت لتوي.. ثم التفت لأمل وغمز لها بعينه وهو يكمل: و أنت ألم أرعبك؟
همت أمل أن تقول شيئا لكنه سبقها قائلا وهو يضرب جبينه بيده و كأنه قد نسي شيئا مهما: يا الهي، كيف لي أن أنسى؟ أمل لا تخاف، لأنها تضع كل أحاسيسها ومشاعرها جانبا، قلبك من حجر يا أمل أليس كذلك؟
ردت أمل وقد أزعجتها كلمات سامي: لا..أنا لا أخاف، لأن تصرفاتك الصبيانية هذه لا تخيف، قد كبرت على هذه التصرفات يا سامي، الله أعلم منذ متى و أنت تراقبنا..
ضحك سامي وهو يتعمد استفزاز أمل: أنت تعطين لنفسك أهمية كبيرة، قد كنت أراقب أختي كما تعلمين ستسافر قريبا و سأشتاق إليها.
شهقت سلمى ثانية، لكن هذه المرة على كلمات سامي، فهو دائما يحب استفزازها و إذلالها، لذا من النادر أن تسمع منه مثل هذا الكلام الجميل بحقها.
أما أمل فقد قالت وهي تكتم غضبها بصعوبة: أحسدها على سفرها لسبب واحد، وهو أنها سترتاح منك.
ثم أشاحت بوجهها بعيدا معلنة عن نهاية الحوار.
قالت سلمى بمرح مصطنع بعد أن أحست بحدة التوتر بين الاثنين: هل كان علي أن أبتعد عنك، لأعرف أنك تحبني لهذه الدرجة، كفاك كذبا و أخبرني ماذا تريد؟
رد سامي وهو لم يفارق أمل بعينيه: لست أنا من يريد، إنها أمي..تحتاجك بالمطبخ.
قامت سلمى مسرعة نحو الباب و هي تبعد الملابس المبعثرة في كل مكان عن طريقها ثم قالت: سأعود حالا يا أمل، ابدئي باعادة هذه الأغراض لمكانها..
خرجت سلمى من الغرفة، لكن سامي ظل بمكانه، وهو لم يبعد عينيه عن أمل بعد، هذه الأخيرة ظلت صامتة لبرهة و هي تعيد الملابس للخزانة، ظنت انه سيمل الوقوف و ينصرف،
لكنه لم يفعل لذا بادرته قائلة: ماذا الآن؟
رفع سامي حاجبيه وقال ببلادة: ماذا الآن؟
أمل بصبر : لم تنظر إلي هكذا؟
أبعد سامي عينيه عن أمل أخيرا، ثم قال وهو يحدق بالسقف: كنت فقط أتساءل عما ستفعلينه بعد أن تسافر سلمى، و أنتما الاثنتان لم تفترقا منذ مدة طويلة.
ردت أمل و قد اعتلى صوتها بعض الحزن: انه القدر، أنا أتمنى لها السعادة فقط، وسعادتها الآن مع من سيكون شريكا لحياتها.
أنزل سامي عينيه بغتة وتطلع لأمل بطريقة غريبة وهو يقول: وأنت متى ستجدين شريك حياتك؟ ألا تفكرين بالزواج؟
تفاجأت أمل لسؤاله لكنها ردت بابتسامة هادئة : لمَ تسأل.. هل تود أن تتخلص منا نحن الاثنتين معا؟
سامي وهو يستدير مبتعدا: أنت تبدين أجمل بكثير و أنت مبتسمة..ثم لعلمك قد أود أن أتخلص من أي شخص إلا أنت .
قالت أمل باندهاش: ولم؟
قال سامي دون أن يتوقف وبنبرة غامضة:ربما لأني أحب مضايقتك، هواية من هواياتي المفضلة..مضايقة أمل..وأنا لا أتخلى عن هواياتي أبدا، تيقني من هذا..
لم تدر أمل هل تحس بالغضب من كلماته، أم بالدهشة لغرابة و غموض ما يقول، وما زادها دهشة هو صوت صياح سلمى وهي تقترب من الغرفة غاضبة: سامي يا كاذب، أمي لم تطلبني، انتظرني فقط سأجعلك تندم على كذبتك هذه..
*********
- أمل ..هل هذه أنت؟
أغلقت أمل باب المنزل و ردت على والدتها: نعم أمي..
خرجت والدة أمل من المطبخ وهي تسألها: لمَ لم تظلي عند صديقتك؟
أمل : قد اتصل أحمد بهم منذ دقائق فقد حطت طائرته بالمطار، و سيكون عندهم في أية لحظة..
ابتسمت والدة أمل ابتسامة حانية و هي تقول لابنتها : كم أنا سعيدة من أجلها، وما يجعلني سعيدة أكثر هو أن فرحتها بزواجها واضحة بعينيها، أتمنى أن أطمئن عليك أنت أيضا يا أمل، و أن أرى هذه الفرحة بعينيك قريبا...
اقتربت أمل وقبلت والدتها على جبينها وهي تقول: بالنسبة لي لا أفكر بهذا الآن، تعلمين هذا يا أمي..
ثم ابتعدت قليلا و أكملت: سأذهب لغرفتي الآن ..هل تحتاجينني في شيء؟
ردت والدتها: أجل، اتصلي بسامي، أود أن يحضر لي معه بضعة أشياء من السوق و هو عائد من عمله، اتصلت بوالدك لكنه قال أنه سيتأخر كثيرا..
بمجرد أن سمعت أمل اسم سامي علت وجهها بعض أمارات الضيق، لكنها حاولت إخفاءها وردت بهدوء: سامي بمنزله الآن وليس بالعمل، أم نسيتي أن اليوم عطلة ..
قالت والدة أمل وهي تفكر : ماذا سأفعل الآن، قد قلت لأم سلمى أني من سيحضر الحلويات و الكعك، لكن هناك أشياء تنقصني.
ابتسمت أمل لوالدتها وهي تقول: لا عليك يا أمي، اخبريني بكل ما ينقصك، وسأذهب أنا للسوق..
ردت والدة أمل براحة: بارك الله فيك يا ابنتي، خذي ورقة و قلم لأملي عليك ما أحتاجه، لكن حاولي أن لا تتأخري بالرجوع.
أخذت والدة أمل تملي عليها احتياجاتها، وهي تنظر لابنتها بحنان، وكل ما تفكر به أنها تتمنى رؤيتها في كنف زوج يصونها ويحميها، فمنذ أيام وهي تشعر بقلق وخوف كبير على أمل، قلبها ينبئها بأن الحياة لن تظل مبتسمة لابنتها،وقلب الأم لا يخطئ..
********
كانت سلمى واقفة أمام المرآة بغرفتها، تتمعن مكياجها الهادئ و تسريحة شعرها الأسود الحالك ثم تمتمت : كم أنت ماهرة في هذا يا أمل، أبدو أجمل من الواقع بكثير !!
وحين سمعت طرقات على الباب تسارعت دقات قلبها، من المؤكد أن أحمد وصل، اتجهت للباب بسرعة وفتحته فوجدت سامي وعلى شفتيه ابتسامة، انتظرته أن يتحدث لكنه ظل ينظر إليها بإعجاب، فقالت بتوتر شديد: هل وصل أحمد؟
أمسك سامي بيدها وهو يخرجها من الغرفة ثم أغلق الباب ورائهما قبل أن يقول : نعم قد وصل للتو..لكن ما كل هذا الجمال الذي نزل عليك فجأة؟ !
ضربته سلمى بخفة على كتفه وهي تقول : أنا دائما جميلة..
ضحك سامي ثم قال : طبعا.. طبعا ومن قال غير هذا؟ هيا أسرعي.. فمن الواضح على أحمد انه لا يطيق صبرا ليراك..
انصبغ وجه سلمى بحمرة الخجل و عادت لتضربه، ثم قالت : أصمت.
مرر سامي أصابعه على فمه وكأنه يغلقه، فضحكت سلمى على حركته مما جعل توترها يخف قليلا.
كان احمد في غرفة الجلوس،يتحدث مع والد سامي وما ان لمح سلمى تنزل الدرج، حتى توقف الزمن بالنسبة إليه، وتعلقت عينيه بها وهو يعد خطواتها إليه..
اقتربت سلمى مطأطئة رأسها، قد غلبها التوتر و كأنها تراه لأول مرة، فطول مدة غيابه عنها هو ما جعل كليهما يترقبان لحظة لقاءهما وكأن دهورا مرت منذ آخر لقاء..
جاءها صوت أحمد الهادئ وهو يقول: كيف حالك يا سلمى؟
رفعت سلمى رأسها أخيرا و نظرت إليه، وحين تلاقت عينيها بعينيه أحست وكأنها غير قادرة على الوقوف، فحاولت الحفاظ على هدوئها و جلست على الأريكة، وهي ترد عليه دون أن تبعد عينيها عنه: بخير حال..و أنت؟
ابتسم أحمد لأنه أحس بالتوتر الشديد الذي تخفيه خلف قناع الهدوء ورد: أنا بخير..
كان سامي ينظر إليهما وعلى شفتيه ابتسامة، واقترب ليجلس هو الآخر لكن والده اعتدل واقفا ونظر له نظرة معناها –الحق بي - ، ثم قال: سأعود حالا..
ابتعد الاثنين معا ، وتركا أحمد وسلمى التي عادت تطأطئ رأسها قائلة : كيف كانت الرحلة؟
ابتسم أحمد وهو يقول: ارفعي رأسك و أنت تتحدثين.. و ساعات الرحلة مرت علي كالسنوات لأني كنت أعد الثواني لحين لقائي بك..
رفعت سلمى رأسها مبتسمة ابتسامة خجولة، مما جعل أحمد يضحك وهو يقول: ماذا هناك و كأنه أول لقاءا بيننا..أين سلمى المشاكسة والمرحة؟
ضحكت سلمى هي الأخرى وردت: انتظر لدقائق فقط، وستجد سلمى عادت لطبعها المشاكس والمرح. كل ما في الأمر أنني..
وأوقفت عبارتها دون أن تكمل،
فقال أحمد: أنك ماذا ؟
لكنها لم ترد فعاد يسأل بابتسامة عريضة: اشتقت إلي مثلا؟؟
ابتسمت سلمى بخجل ثم ردت: تقريبا..
ضحك أحمد وهو يهز رأسه بيأس من ردها المراوغ، وشاركته سلمى الضحك، ثم بدأ يحكي لها عن كل ما مر عليه طول مدة سفره هذه المرة، وغاب الاثنين في عالمهما الخاص..
***********
استلقت أمل على السرير، ثم أضاءت الأباجورة لتكمل قراءة روايتها التي بدأتها منذ يومين، من عاداتها أن تقرأ أي شيء حتى يغلبها النوم. لم تكد تقرأ سطرين، حتى سمعت رنين هاتفها، نظرت إليه بعينين ناعستين ثم أمسكته وردت ببرود:
- من الجميل أنك لازلت تذكرينني..
جاءها صوت سلمى ومعالم الفرحة واضحة عليه: لا تقولي هذا، كيف لي أن أنساك يا غبية، كل ما في الأمر أن أحمد لم يغادر إلا منذ ثوان، فأسرعت بالاتصال بك.
ردت أمل وقد غاب البرود عن صوتها و حل محله بعض الفضول : هااا، أخبريني كيف كان يومك؟
تنهدت سلمى ثم قالت بنبرة حالمة: يا الهي لو تدرين كم أنا سعيدة، أخشى أن أجن من شدة سعادتي، لكني لن أخبرك بتفاصيل، حتى تقومي و تأتي إلي ، أود أن أتحدث إليك فعلا و إلا سأجن..
نظرت أمل إلى الساعة على الحائط ثم قالت: لقد تأخر الوقت الآن، ثم أنت لم تدعيني أنم ليلة أمس، وأيقظتني باكرا اليوم، لذا فانا أحس بالتعب و لن أستطيع السهر هذه الليلة..
سلمى : أنا أيضا لم أنم منذ أمس سوى ساعتين، ولست أحس بأي تعب فكفاك دلالا و تعالي.
ردت أمل ضاحكة : أنت لا تحسين بتعب لأنك في قمة حماسك.. هيا أخبريني بكل تفاصيل ما حدث أو لنؤجل هذا الحديث كله للغد.
زفرت سلمى بحدة ثم قالت : كم أنت عنيدة ! حسنا لنؤجله للغد لأن حديثي سيطول. هل ستنامين الآن؟
أغلقت أمل الرواية التي بيدها ووضعتها فوق المنضدة بجانبها ثم قالت: كنت سأقرأ قليلا، لكن أظنني سأستسلم للنوم الآن، أحس بالتعب..
سلمى: ماذا تقرئين.. هل من رواية جديدة؟
أمل وهي تفرك عينيها وتجاهد ليظلا مفتوحتين: نعم، أحضرت رواية رومانسية جميلة آخر مرة زرت المكتبة.. و الآن هل لي أن أقول لك تصبحين على خير، أعلم أنك متحمسة جدا.. لكن حاولي النوم أنت أيضا، حتى لا تفقدي رونقك وحيويتك أنت عروس الآن..
ضحكت سلمى ثم قالت : شكرا على النصيحة و تصبحين على خير..
أغلقت أمل هاتفها حتى لا يزعجها أحد وهي نائمة ، ثم اختفت تحت الأغطية وكأنها تحاول الهرب من أفكارها، فهي بعد أن تذكرت ذاك اليوم بالمكتبة، استعادت نظرات ذلك الشاب إليها يومها، لا تدري لم تصر نظراته تلك على غزو أفكارها دون استئذان، ثم همهمت مجيبة نفسها: كل ما هنالك أن طريقة نظره إلي كانت جريئة و غريبة، لهذا علقت بذهني.
و حاولت إقناع نفسها بهذا الجواب وهي تستطرد: نعم هذا كل ما في الموضوع..
***********
وصل كل المدعوون تقريبا لمنزل سلمى، التي أصرت أن يقام حفل زفافها بمنزلها، وليس بقاعة أفراح كما هو شائع.رغبة منها في أن يكون هذا المنزل، وهذا الحي، آخر ما تقع عليه عينيها قبل أن تتوجه للمطار، و تترك خلفها كل الأماكن التي شهدت أجمل ذكرياتها .
سلمى انتهت من تجهيز نفسها، وجلست بغرفتها في انتظار نزولها للحفل، كانت تبدو بفستانها الأبيض الطويل في قمة التألق و الجمال، ورغم الدموع التي كانت تلمع بعينيها للحظات، فسعادتها بهذا اليوم لم تخف على أحد.
كانت والدتها تتأملها بحنان ونظراتها حائرة، لم تقرر بعد هل هي سعيدة لسعادة ابنتها، أم حزينة لفراقها..
أما أمل الجالسة بجانبها، فقد انسابت دمعة على خدها رغما عنها، وهي ترى صديقة عمرها تحقق حلمها الوردي، الذي لطالما ظلت تحدثها عنه، أن ترتدي فستانا أبيضا وتزف للرجل الذي اختاره قلبها..
ابتسمت سلمى لصديقتها و اقتربت معانقة إياها وهي تهمس بأذنها بمرح: أرجوك يا أمل، لا أريد أن أرى دموعا، وإلا سأستسلم أنا أيضا للبكاء، وأفسد كل العمل الشاق الذي قامت به المزينة لتجعلني جميلة هكذا !!
ثم ابتعدت عندما لمحت الابتسامة على وجه أمل والتفتت لوالدتها وهي تقول: أين سامي يا أمي؟
ردت والدتها : انه بالأسفل يستقبل الضيوف مع والدك ووالد أمل، هل تريدينه؟
هزت سلمى رأسها قائلة: أجل، إذا كنت ستنزلين الآن اطلبي منه أن يصعد إلي..
اتجهت والدتها للباب وهي تقول: حسنا، سأخبره..
وقبل أن تخرج قالت سلمى: ولتأخذي أمل معك لو سمحت يا أمي، فانا أريد سامي بحديث خاص..
عقدت أمل حاجبيها وهي تقول باستنكار: تطردينني! وما هذا الحديث الخاص.. هل هناك أسرار تخفينها عني؟؟
قبل أن ترد سلمى اتجهت أمل خارجة من الغرفة وهي تمثل الغضب: لا تقولي شيئا، أنا غاضبة منك الآن..
وابتعدت مع أم سامي، ثم تبادلتا ابتسامة، حين سمعتا سلمى تصرخ من داخل الغرفة: أمل، أقسم أني لم أقصد إغضابك، ارجعي..
التف بعض المدعوون حول أم سامي فور نزولها، مهنئين ومباركين لها زواج ابنتها، وحين وجدت أنها ستنشغل معهم، طلبت من أمل أن تبحث عن سامي لتخبره أن سلمى تطلبه.
رغم عدم رغبة أمل الاحتكاك بسامي أو الاقتراب منه، إلا أنها اتجهت نحوه مستسلمة، بعد أن لمحته واقفا مع والدها، اقتربت منه بهدوء ثم قالت وهي تتأمله باهتمام، فأناقته اليوم زادته وسامة على وسامته:
- سامي، سلمى تطلبك..
كان سامي منشغلا بالحديث مع والد أمل لذا لم يلحظها حين اقتربت ، لكن حين تحدثت وانتبه إليها،انعقد لسانه، قد صدمه جمال هذه الفتاة الملائكية الواقفة أمامه، كانت أمل ترتدي فستانا زهري اللون، ناعما، زاد من نعومتها المعهودة، وخصلات من شعرها الكستنائي الطويل تتراقص بحرية حول وجهها الناصع البياض، كأنه القمر ليلة تمامه. ودون أن ينتبه لنفسه وجد نفسه يقول و الدهشة واضحة على كلماته: هل قرر القمر اليوم أن يتواضع و وينزل من مكانه العالي بالسماء ليشاركنا هذا الحفل؟
أمل لم تنتبه للإعجاب بنظراته و لم تفهم ما يقصد من كلامه ، ظنت أنه يسخر منها كعادته لذا قالت بضيق شديد وهي ترفع فستانها الطويل قليلا، مبتعدة بسرعة من أمامه: قد سئمت منك !!
لكن والد أمل فهم ما لم تفهمه هي، فهم نظرات الإعجاب بعيون سامي وفهم ما قصده، وربما هذه هي أول مرة بالنسبة إليه يلحظ فيها إعجاب سامي بابنته، فقال بابتسامة متوترة قليلا: أتتغزل بابنتي أمامي؟
انتبه سامي أخيرا للكلمات التي نطق بها منذ قليل ورد على والد أمل بارتباك: اعذرني.. ابنتك بالفعل كالقمر، آسف يا عمي لم أستطع امساك لساني !!
ثم ابتعد متجها لغرفة سلمى وهو لا يزال يتابع أمل بعينيه، كانت تنتقل كالفراشة من ركن لركن، وهي تسلم على هذا و تبتسم مجاملة لهذا، فقال لنفسه بحزن: إذا فهمت أنتَ ما كنت أقصد من كلماتي.. لماذا أمل لم تفهمها للآن !!
حين دخل سامي لغرفة أخته، وجدها تتمعن نفسها بالمرآة، و كان يبدو أن أفكارها انتقلت لمكان آخر، فاقترب منها بهدوء ووضع يديه على كتفيها وهو ينظر إليها من خلال المرآة:
- فيما تفكر عروسنا ؟
بادلته سلمى نفس الابتسامة واستدارة لتواجهه قائلة: - بأشياء كثيرة..
أمسك سامي بكرسي، و جلس عليه ثم قال بمرح: طبعا أشياء كثيرة، من المؤكد أنك تفكرين بمستقبلك مع أحمد. عليك أن لا تقلقي.. أحمد إنسان طيب القلب ، ستكون حياتك معه سعيدة.. أنا واثق.
تنهدت سلمى بعمق ثم قالت: وماذا لو قلت لك أني لست قلقة لهذا السبب، أنا مطمئنة من هذه الناحية، سبب قلقي شيء آخر..
نظر إليها سامي بطريقة تحثها على إكمال ما تود قوله فاستطردت: أنا قلقة على أمل..
رفع سامي حاجبيه بدهشة قائلا: لم تقلقين على أمل..ما بها؟
ردت سلمى بتوتر: لا شيء، لا أدري ما سبب قلقي عليها أساسا..
ثم نظرت برجاء لأخيها وهي تكمل: سامي، أرجوك انتبه إليها، اعلم أنها تمثل الكثير بالنسبة إليك..
قال سامي وهو يستغرب سبب هذا الكلام: هل توصينني على أمل يا سلمى !؟
ثم أنزل عينيه للأرض وهو يتذكر موقفه مع أمل منذ قليل و أكمل بهدوء: حتى أنت تعلمين مكانتها عندي ، وأغلب الظن أن الكل يعلم، إلا هي.. لا أدري متى ستفهمني !
شعرت سلمى بالألم الذي تحمله كلماته و الذي يحاول أن يخفيه بهدوئه فقالت بعطف : سامي، ألا ترى أن هذا خطأك، انت لم تصارحها يوما، بالعكس دائما ما تحاول مضايقتها و استفزازها، وهذه ليست أفضل طريقة تظهر بها حبك لها كما تعلم..
شدت انتباه سامي كلمتين –حبك لها- نعم هو يحبها، بل يعشقها.. و بجنون، لم يسبق له أن اعترف بهذا، حتى بينه و بين نفسه، دائما ما كان يحاول إخفاء هذه المشاعر التي لا يدري متى ولدت، ولا إلى أين ستوصله..
لكنه لم يحاول الإنكار هذه المرة، و قال وملامحه يعلوها حزن و ألم لم يستطع إخفاءهما: أنا أحس أحيانا أنها تكرهني، كيف لي أن أخبرها أني..
ولم يكمل جملته..
اقتربت سلمى منه وأحاطته بذراعها وهي تقول: وكأنك لا تعرف أمل ! نحن أعلم الناس أن قلبها لا يعرف للكره طريق، هي تعزك وتقدرك يا سامي، بالله عليك قد كبرنا سويا، ضحكنا سويا، وبكينا سويا، أنت من يجعلها بتصرفاتك تنفر منك أحيانا..
نظر سامي لأخته نظرات متسائلة وهو يقول: هل أخبرها إذا؟
حركت سلمى رأسها علامة النفي ثم قالت: لا، لو أردت رأيي غَِير من طريقة تعاملك معها أولا، اجعلها تشعر باهتمامك بها.. اجعلها تقع بحبك كما أنت واقع بحبها، وبعدها سيصبح إخبارها أمرا سهلا..
أمسك سامي بيد أخته وقبلها وهو يقول بامتنان: لو تدرين كم أرحتني يا سلمى..ليتني حدثتك بهذا الموضوع منذ زمن فقد أتعبني التفكير.. كنت قد قطعت أملي في أن تحس بي يوما..
ابتسمت سلمى ثم قالت بمرح: لا تفقد الأمل أبدا !! خصوصا للحصول على قلب أمل ! قد كنت أحاول أن أحدثك بهذا الموضوع، لكنك لم تكن تمنحني الفرصة، فقررت أني لن أسافر إلا بعد أن أجعلك تغير من تصرفاتك حتى تصل لما تتمنى..
عاد سامي يقبل يد أخته ثم عانقها وهو يقول: شكرا لك يا سلمى..
في هذه اللحظة دخلت أمل الغرفة و حين رأت سامي قالت بضيق: ألازلت أنت هنا..
نظر إليها كل من سلمى و سامي بنظرات لم تفهم مغزاها فقالت ضاحكة: يبدو أني قطعت عليكما فيض المشاعر الأخوية..
ضحكت سلمى ثم قالت : هل أستعد للنزول أم ماذا؟
ردت أمل وهي تحاول تجاهل سامي الذي لم يبعد عينيه عنها: نعم ستنزلين الآن.. لهذا جئت إليك.
************
مر حفل الزفاف في أحسن الظروف، السعادة كانت تبدو على الجميع هذا اليوم، خصوصا على العروسين احمد و سلمى، وحتى أمل تناست خلال هذه الساعات ضيقها الدائم من سامي، سعادتها من أجل صديقتها جعلتها تحاول أن يكون هذا اليوم من أجمل الأيام التي عدت عليهم، فتعمدت أن تبادله أطراف الحديث أمام سلمى، كي لا تشعر هذه الأخيرة بما ينغص عليها فرحتها، ولا تشغلها بمشاكلها معه.
وحين وصلت السيارة التي ستقل العروسين للمطار، خرج الجميع من المنزل كي يودعهما، ودعهم أحمد و سبق سلمى للسيارة، كانت لحظة الفراق صعبة على والد ووالدة سلمى، هذه الأخيرة لم تستطع منع دموعها ، فتركتها تبلل وجهها الذي لم يخل من ملامح السعادة من أجل ابنتها. سلمى حين رأت وجه والدتها الغارق بدموعه، عانقتها عناقا طويلا، ولم تتركها إلا حين حملها سامي على ذلك، وفتح باب السيارة أمامها وهو يقول: هيا يا سلمى، ستتأخران على رحلتكما..
عانقته سلمى هو الآخر بسرعة وهي تقول وسط دموعها: أين أمل ؟
رد سامي وهو يبحث عن أمل بين المتواجدين: لا أعلم ..اختفت منذ قليل !
ركبت سلمى السيارة و أخرجت رأسها من النافذة وهي تقول بحزن: قد أخبرتني أنها لن تحتمل أن تقول لي وداعا، لم أفكر أنها لن تودعني هذه السخيفة، أرجوك يا سامي أخبرها أن سلمى لا تقول لك وداعا بل إلى اللقاء..
هز سامي رأسه وهو يقول : سأخبرها..
وانطلقت السيارة مبتعدة وعيون الجميع متعلقة بها، عيون أمل أيضا كانت تتابعها إلى أن اختفت، ظلت تراقب ما يحصل من نافذة غرفة سلمى،كانت تجهش بالبكاء، و هي لا تحب أن يراها أحد وهي على هذه الحال، ولم تكن تود أن تراها سلمى بالذات على هذه الحال، لن يكون آخر منظر تراها فيه.. هو منظرها وهي محطمة بسبب فراقها.
أغلقت أمل النافذة، و اتجهت للمكتب بخطوات متثاقلة، ثم التقطت صورة سلمى الموضوعة عليه واحتضنتها بقوة و ودموعها لا تكف عن الانهمار..
كان المدعوون قد تفرقوا، وذهب كل لحال سبيله، وعاد الهدوء للمنزل، وفي ركن من أركانه، جلس والد أمل ووالد سامي، وكان هذا الأخير يسأله باهتمام: هل أنت متأكد مما رأيت؟
رد والد أمل بثقة: أجل متأكد.. سامي يحب أمل، كنت أظنه يعتبرها كأخت له، لكن فاجئني اليوم..
خيم صمت ثقيل للحظات على الاثنين، قطعه والد أمل قائلا بحزم شديد:
- عليك أن تحدثه، أقنعه أن يبتعد عن أمل، فما يريده مستحيل الحدوث !!
*********
>>>يـــتــبع >>> | | التوقيع | | 
| |
|
| |